السيد نعمة الله الجزائري
132
الأنوار النعمانية
فان صدقت بعد ذلك شهوة الماء فليشرب نصف ما كان يشرب قيل أنّه أصلح لبدن أمير المؤمنين وأكثر لجماعة وأشد لضبطه وحفظه وان صلاح البدن يكون بالطعام والشراب وفساده بهما فان اصلحتهما صلح البدن وان افسدتهما فسد البدن . وأعلم يا أمير المؤمنين انّ قوة النفوس تابعة لأمزجة الأبدان ، وان الأمزجة تابعة للهوى ، ويتغير بحسب تغيير الهواء في الأمكنة فإذا برد الهوى مرة وسخن أخرى تغيرت بسببه أمزجة الأبدان وأثر ذلك تغيير في القوى ، فإن كان الهوى معتدلا أعتدلت أمزجة الأبدان وصلحت تصرفات الأمزجة في الحركات الطبيعية كالهضم والجماع والنوم والحركة وسائر الحركات لأن اللّه تعالى بنى الأجسام على اربع طبائع وهي المرتان والدم والبلغم ، وبالجملة حاران وباردان قد خولف ما بينهما فجعل الحارين لينا ويابسا وكذلك الباردين رطبا ويابسا ثم فرق فوق ذلك على أربعة اجزاء من الجسد على الرأس والصدر والشراسيف وأسفل البطن . وأعلم يا أمير المؤمنين انّ الرأس والأذنين والعينين والمنخرين والفم والأنف من الدم ، وان الصدر من البلغم والريح ، وان الشراسيف من المرّة الصفراء ، وان أسفل البطن البطن من المرّة السوداء ، واعلم يا أمير المؤمنين ان النوم سلطان الدماغ وهو قوام الجسد وقوته ، فإذا أردت النوم فليكن انضجاعك على شقك الأيمن ثم انقلب على الأيسر وكذلك قم من مضجعك كما بدأت به بعد نومك ، وعوّد نفسك القعود من الليل ساعتين ، وادخل الخلاء لحاجة الإنسان والبث فيه بقدر حاجتك ولا تطل فيه فان ذلك يورث الداء الدفين . واعلم يا أمير المؤمنين ان أجود ما استكت به ليف الا رآك فإنه يجلي الأسنان ويطيّب النكهة ويشد اللثة ويسمنها ، وهو نافع من الحفر إذا كان معتدلا وللاكثار منه يرفق الأسنان ويزعزعها ويضعف أصولها فمن أراد حفظ الأسنان فليأخذ قرن الإبل محروقا وكذا مارجا ( مارخا ) وسعد أو وردى وسنبل الطيب وحب الأثد ( ثل ) أجزاء سواء ، وملحا اندريانا ربع جزء فيدق الجميع ناعما وبستن به فانّه ينفع الإنسان ويمسكها ويحفظ أصولها من الآفات والعاهات العارضة ، ومن أراد ان يبيض أسنانه فليأخذه جزء ملحا اندرايانا ومثله زبد البحر وليسحقهما ناعما ويستن بهما . واعلم يا أمير المؤمنين انّ أحوال الإنسان الّتي بناه اللّه تعالى عليها وجعله متصرفا بها أربعة أحوال كالحالة الأولى خمسة عشر سنة ، وفيها شبابه وحسنه وبهاؤه وسلطان الّد في جسمه ، ثمّ الحالة الثانية من خمسة عشر إلى خمسة وثلاثين سنة ، وفيها المرّة الصّفراء وقوة غلبتها وهي أقوى ما يكون ، ولا يزال كذلك حتّى يستوفي المدّة المذكورة ثمّ يدخل في الحالة الثالثة إلى أن تتكامل مدة العمر ستين سنة ، فيكون في سلطان المرّة الّسوداء وهو سن الحكمة والمعرفة والدراية وانتظام الأمور وصحّة النظر في العواقب وصدق الرأي وثبات الجأش في التصرفات ، ثمّ يدخل في الحالة